محمود توفيق محمد سعد

267

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

وهي لا تسمع إلا صوتا ولا تفهم مما ينعق بها ، فذكر ما هم قائمون فيه : حالهم المعرض عن الدّاعي ليكون دليلا على ما هم عالمون به من حال الغنم المنعوق بها ولا تسمع إلا دعاء ونداء ( ومثل الذين كفروا في إعراضهم عن دعوة من ينفعهم كمثل غنم ينعق بها صاحبه لينقذها ) وفي المثل الثاني : مثل داعي الذين كفروا نرى تمثيله بحال راعى الغنم في حرصه عليها وذودها عما يضرها إلى ما ينفعها ، وقد كانت العرب أهل رعي تفقه حال الراعي برعيته وشفقته عليها وحرصه على ما ينفعها وصبره عليها وهذا يستحضر في قلب من يعقل منهم حقيقة حال النبيّ صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا معهم ، ولهذا كان المذكور من هذا المثل ما لا يمكن لهم أن يغفلوا عنه لأنه قائم فيهم صباح مساء ، فذكر راعي الغنم وطوى ذكر حال راعيهم وسائقهم إلى ما فيه نجاتهم ( ومثل داعيهم إلى الهدى كمثل الذي ينعق . . . ) إنّ صياغة الآية على هذا النحو مما يحدث في المتلقي حين يسمع أو يقرأ تنبيها إلى أنّ في الأمر شيئا ، وأنّه لا يكون البتة - بدلالة السياق المستصحب من آيات عديدة سابقة - تمثيل حال الذين كفروا وقد أجمل ولم يبين مناط الممثل منه بحال الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء إذا ما أريد بما لا يسمع الغنم بدلالة ( ينعق ) فإن قيل المعنى : ومثل الذين كفروا في دعائهم أصنامهم حين تلم بهم حاجة كمثل الذي ينعق ( يدعو ) ما لا يسمع إلا دعاء ونداء ، فإنّ هذا التأويل وإن كان قريبا إدراكه لكن السياق دالّ على أنّ قوله ( صم بكم عمي فهم لا يعقلون ) راجع إلى الذين كفروا ، وليس الأصنام ، فالسياق كله ليس حديثا عن الأصنام وإنما حديث عن الذين كفروا وموقفهم من دعوتهم إلى اتباع ما أنزل اللّه عزّ وجلّ فتدّعي أنها تتبع ما ألفوا عليه آباءهم فهم كالغنم التي تتبع الكبش الذي يتقدمها لا تعقل ما هي مقدمة عليه * * * ومن النظم التركيبي الذي عني البقاعيّ بتأويله وهو ضرب من ضروب شجاعة العربية كالتقديم والتأخير والحذف ما يعرف بالالتفات ، وهو من التصرف في حركة الضمائر ذات مرجع واحد ، فتكون مرة ضمير غيبة وأخرى ضمير متكلم ، والمرجع واحد ، أمّا إذا تنوعت الضمائر وتنوعت مراجعها بتنوعها فليس من الالتفات الذي هو من شجاعة العربية في شيء . ولست بالناظر هنا فيما كان بين البلاغيين من مناقدة في تبيين الملتفت منه في ذلك الأسلوب بل فيما كان من " البقاعيّ " في هذا .